حسن الأمين
182
مستدركات أعيان الشيعة
الانقلاب عند كثير بأنه قد يصبح مفهوما إذا أخذ من الوجه السياسي للدولة التي كانت دولة أوتوقراطية تعد على الناس أنفاسهم وتحصي على الناس تنهداتهم وتحسب حركاتهم حركة حركة . معنى ذلك أن حرية الرأي أو القول كفر وخروج على الدين والايمان وعلى الذي يرى رأيا غير رأي الدولة أن يحمل دمه على كفه وأن يكون مستعدا للرحيل إلى المقابر وكثير كان مؤمنا ببني هاشم ومؤمنا بأنهم أحق من بني أمية ولكنه لم يكن مستعدا للتضحية بحياته في سبيل ذلك الايمان . وينفي عن كثير تهمة « النفاق » بل يرى أنه كان بالرغم من عنف الاستبداد على شيء من الصراحة وإن مدح بني أمية ( 1 ) ومهما يكن من أمر فان كثيرا مدح عبد الملك بن مروان وقال عنه : إمام هدى قد سدد الله رأيه وقد أحكمته ماضيات التجارب وقال في عمر بن عبد العزيز : وما الناس أعطوك الخلافة والتقى ولا أنت فاشكر يثبك مثيب ولكنما أعطاك ذلك عالم بما فيك معط للجزيل وهوب ونلاحظ في شعره « الأموي » أجمالا إلى أن الفكرة السياسية الأساسية التي كان يقولها ويلهج بها في شعره الشيعي من أن الخلافة هي وصية النبي لعلي وأبنائه قد تغيرت وأن فكرة ارتباط شرعية الخلافة بالوصية قد تلاشت وإنه في مدائحه لبني مروان أخذ يردد ما كان يقوله ويروجه شعراء المروانيين . ولعل أشهر قصائده في مديح عبد الملك تلك التي يقول فيها : أحاطت يداه بالخلافة بعد ما أراد رجال آخرون اغتيالها فما تركوها عنوة عن مودة ولكن بحد المشرفي استغالها ولعل ابرز ما يتميز به مديح كثير هو رسمه لممدوحه صورة دقيقة القسمات قوية الملامح زاهية الألوان يستقصي فيها كل ما للممدوح من المزايا والصفات والمفاخر يدفعه إلى ذلك الاستقصاء والتجويد . وهذه الميزات هي التي دفعت هارون الرشيد إلى القول : والله لا نمدح بمثل شعر كثير ( 2 ) كما نرى اختلافا بين مدحه لعبد الملك ومدحه لعمر بن عبد العزيز ففي مدحه لعبد الملك نراه ينعته بمعاني العظمة والملك والإمارة أكثر مما ينعته بمعاني الخلافة والإسلام مع غلوه في التمجيد والتعظيم وذلك لمناقضته لما يؤمن به من أحقية آل البيت . أما في مديحه لعمر بن عبد العزيز فنحس أنه يمدح « خليفة » لا ملكا بكل معنى الخلافة الإسلامية الحققة فيذكر اعراضه عن الدنيا ومباهجها وزهده في الخلافة وصلاحه وعدله بين الناس وبره بالفقراء والمساكين ورده حقوق العلويين ( قضية فدك ) ومنع شتم الإمام علي . وفي رثائه لعمر بن عبد العزيز يتجلى ولاؤه أكثر مما يتجلى في مديحه فقد صور فجيعة فقده بدموع اليتامى والمساكين والأرامل : لقد كنت للمظلوم عزا وناصرا إذا ما تعيا في الأمور حصونها فمن لليتامى والمساكين بعده وأرملة باتت شديد أنينها وليس بها سقم سوى الجوع لم تجد على جوعها من بعده من يعينها ( 3 ) كما مدح كثير يزيد بن عبد الملك ولم تصلنا مدائحه في الوليد بن عبد الملك الذي استخلف بعد أبيه عبد الملك بن مروان وظل في الملك تسع سنين ولا مدائحه في أخيه سليمان الذي ملك سنتين مما يعزز افتراضنا ضياع القسم الأكبر من شعره أو عدم وصوله إلينا حتى الآن . كما وصلنا مديحه لعدد من أمراء بني أمية أبرزهم بشر بن مروان وأخيه عبد العزيز بن مروان وابنه أبي بكر عبد العزيز بن مروان ولم يتطرق في مديحه لهؤلاء إلى مسألة الخلافة وإنما اقتصر على تمجيد ما كان يتحلى به كل واحد منهم من شجاعة وحزم وحلم ووقار . وكان أهم من مدحهم من هؤلاء عبد العزيز بن مروان المعروف بمحبته لآل البيت والذي قال يوما لابنه عمر : يا بني لو علم أهل الشام وغيرهم من فضل علي ما نعلمه لم يتبعنا منهم أحد وتفرقوا عنا إلى أولاد علي ( 4 ) ومن آيات وفائه لعبد العزيز وابنه عمر انه لم تنقطع مدائحه لهما بموتهما بينما لا نجد له مراثي في عبد الملك ولا في أخيه بشر ولا في ابنه يزيد . ولم يقتصر في مدائحه على ملوك وأمراء بني مروان بل مدح أميراتهم وأمهات أولادهم . ومن ذلك ان أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان بعثت إلى كثير ووضاح اليمن ان انسبا بي . فاما وضاح اليمن فنسب بها وأما كثير فنسب بجاريتها « غاضرة » . وكانت أم البنين زوجة الوليد بن عبد الملك فقتل وضاحا ولم يجد سبيلا على كثير ( 5 ) وخلاصة القول في شعر كثير السياسي أنه عبر عن فترتين متناقضتين من حياته السياسية . أما المعاني التي تناولها في مدائحه فهي معان تقليدية مألوفة في الشعر الجاهلي وإن كان قد أضاف إليها في مديحه لعمر بن عبد العزيز المعاني التي يحث الإسلام على التحلي بها كالصلاح والعدل والإنصاف والبر بالفقراء وتقوى الله وخشيته والزهد بالدنيا وغيرها من المثل الإسلامية . اشتمل شعر كثير على عدة موضوعات كمدح أو رثاء أو هجاء بعض الأشخاص الذين لم يكن الدافع لمدحهم أو رثائهم أو هجائهم العقيدة أو السياسة . كما اشتمل على الفخر وما يتعلق به من وصف الخيل وبعض السلاح كما نجد له بعض الأبيات في تجارب الحياة والحكم . وله شعر كثير في وصف مظاهر الحياة في البادية كوصف ديار الحبيبة وما يتعلق بها من وصف الغمام والبرق والرعد والمطر واستسقائه لها أو وصف اطلالها ورسومها وما بقي من آثارها كالدمن والنؤي والحيوان الذي اتخذها مأوى ومرتعا بعد رحيل أهلها وما يتعلق بها من وصف الظعن والرحلة والراحلة وما تثيره في نفسه من وحشة وشوق . أو وصف بعض مظاهر البادية كرمالها وفجاجها وهجيرها ونسيم لياليها وما فيها من حيوان كالظباء والنعام والذئاب أو وصف مشاعر الحج وغير ذلك . والرثاء في شعره قليل إذا استثنينا مراثيه السياسية . وكذلك الهجاء الذي لا يكاد يؤلف موضوعا بارزا في شعره على الرغم من كثرة الخصومات السياسية التي كانت بين شعراء القبائل في عصره . اما دوافعه للهجاء فمنها أنفته كما في هجائه بني المسور بن إبراهيم حينما وجدوه يرعى إبله في حماهم فضيقوا عليه وأساؤا جواره فهجاهم ( 6 ) وله بيتان في هجاء نصيب ولعله هجاء على أثر تلك المفاخرة
--> ( 1 ) أعيان الشيعة 9 : 26 . ( 2 ) تاريخ دمشق 16 : 36 . ( 3 ) منتهى الطلب 3 : 175 ، 176 . ( 4 ) شرح النهج 1 : 356 . ( 5 ) الأغاني 2 : 180 . ( 6 ) شرح ديوان كثير عزة 2 : 5 .